مولي محمد صالح المازندراني

205

شرح أصول الكافي

الخلافة بالسنِّ فأنا أولى بها منك وإن كان بالعلم والعمل والقرابة فعليُّ بن أبي طالب أولى من الجميع فقد ظلمتوه . قوله : ( إنَّ الإمامة زمام الدِّين ) الزِّمام الخيط الّذي يشدُّ في البرة أو في الخشاش ثمِّ يشدُّ في طرفه المقود وقد يسمّى المقود زماماً إضافة الزِّمام إلى الدِّين يتضمن استعارة مكنيّة وتخييليّة وإسناده إلى الإمامة من باب حمل المشبّه به على المشبّه مبالغة في التشبيه ويحتمل أن يكون الجملة استعارة تمثيلية وإسناد نظائرها الثلاثة إليها من باب إسناد المسبّب إلى السبب مبالغة في السببيّة وكون الإمامة زمام الدِّين ظاهر لأنّ ضبط الدِّين وأهله إنّما يتحقق بها وكذا كونه ممّا ينتظم به أمور المسلمين ويحصل به صلاح الدُّنيا وعزّ المؤمنين إذ لولا الإمامة لوقع الهرج والمرج ( 1 ) والقتل

--> 1 - قوله : « لوقع الهرج والمرج » ما ذكره الشارح يندفع بالإمام غير المعصوم أيضاً وإن كان فاجراً ولا يكفي ذلك لإثبات الإمامة التي نقول بها ، نعم يكفي ذلك لرد قول الخوارج الذين لا يقولون بوجوب أمير أصلاً كما ذكرنا ، وإنما نقول بثبوت الإمامة لتحصيل لمدينة الفاضلة ، أعني أحسن أقسام الاجتماع كما ورد أنه « يملأ الأرض قسطاً وعدلاً بعد ما مُلئت ظلماً وجوراً » وهي المدينة التي بحث عنها الفلاسفة ويطلبها جميع الأمم وأول شروطها وأهمها أن يكون أهلها أصحاب الآراء المحمودة حتى يكون الولاة من سنخهم ويقبلون حكم إمامهم من غير تبطؤ ونكير ومن غير أن يكرههم إلاّ نادراً من المتخلّفين والعصاة ولذلك ابتدأ الفارابي في بيان المدينة الفاضلة بذكر آراء أهلها لأن الناس إن لم يكونوا معتقدين للآراء المحمودة لم يستقم أمر المدينة الفاضلة ولو كان الوالي إماماً معصوماً كما لم يستقم لأمير المؤمنين ( عليه السلام ) والحسن ( عليه السلام ) في مدة إمامتهما الظاهرية بل المدينة الطبيعية التي يمكن البحث عن أمرها وآثارها ولوازمها وعن حكومتها وحسنها وقبحها وصلاحها وفسادها سواء كانت مدينة فاضلة أو جاهلة هي أن يكون الناس موافقي الرأي للوالي ، فإن كان هو من أهل الفخر والعصبية أو الثروة أو اللذة أو الحرية ، كان الناس أيضاً مطبوعين على ذلك وإلاّ كانت المدينة القسرية وكما لا يبحث في العلوم الطبيعية عن مقتضيات القواسر الاتفاقية لعدم إمكان ضبطها وإنما يبحث عن الأمور الطبيعية المخلاة بنفسها كذلك المدينة لا يبحث عن القواسر فيها كلام الإمام ( عليه السلام ) « إن الإمامة زمام الدين » يدل على ما قلنا ، فإن الإمامة لما كانت زمام الدين فلا يتعقل إمامة إلاّ مع دين يعتقده الناس ويكون الإمام مجرياً لأحكام الدين الّذي يعتقدونه حتى يكون إمرته طبيعية وعادلة معاً وقد حكي عن أردشير بن بابك مؤسس دولة بني ساسان أن الدين والملك توأمان وكان هذا مبنى دولته حتى استقام له ولأولاده الملك مدة أربعمائة سنة مع بطلان دينهم لكن لما كان يجري أحكاماً يعتقد الناس كونها حقاً من الله موجبة لسعادتهم في الآخرة سهل عليهم إطاعته وعليه تنفيذ حكمه بخلاف ما لو لم يكن مجرياً لما يتدين به الناس . وبالجملة فكلام الإمام ( عليه السلام ) « الإمام زمام الدين » أصل من أصول علم الاجتماع والعمران وقاعدة من قواعد السياسة أدل على المقصود من كلام مَن قال : الدين والملك توأمان إذ ليسا شيئين منفردين حتى يطلق عليهما التوأمان بل يتوقف كل منهما على الآخر بحيث لا دين إلاّ بإمام ينفذه ولا امام إلاّ بدين يلتزم به الناس . ( ش )